فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ}
هذا عطف جزء من قصة على جزء منها تكملة لوصف خلاص يوسف عليه السّلام من السجن.
والتعريف في: {الملك} للعهد، أي ملك مصر.
وسماه القرآن هنا ملكًا ولم يسمه فرعونَ لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ملكًا لمصر أيامَ حَكَمَها (الهِكسوس)، وهم العمالقة، وهم من الكنعانيين، أو من العرب، ويعبر عنهم مؤرخو الإغريق بملوك الرعاة، أي البَدو.
وقد ملكوا بمصر من عام 1900 إلى عام 1525 قبل ميلاد المسيح عليه السّلام.
وكان عصرهم فيما بين مدة العائلة الثالثة عشرة والعائلة الثامنة عشرة من ملوك القبط، إذ كانت عائلات ملوك القبط قد بقي لها حكم في مصر العليا في مدينة (طِيبة) كما تقدم عند قوله تعالى: {وقال الذي اشتراه} [سورة يوسف: 21].
وكان ملكهم في تلك المدة ضعيفًا لأن السيادة كانت لملوك مصر السفلى.
ويقدّر المؤرخون أن ملك مصر السفلى في زمن يوسف عليه السّلام كان في مدة العائلة السابعة عشرة.
فالتعبير عنه بالملك في القرآن دون التعبير بفرعون مع أنه عبّر عن ملك مصر في زمن موسى عليه السّلام بلقب فرعون هو من دقائق إعجاز القرآن العلمي.
وقد وقع في التوراة إذ عبر فيها عن ملك مصر في زمن يوسف عليه السّلام فرعون وما هو بفرعون لأن أمته ما كانت تتكلم بالقبطية وإنما كانت لغتهم كنعانية قريبَة من الآرامية والعربية، فيكون زمن يوسف عليه السّلام في آخر أزمان حكم ملوك الرعاة على اختلاف شديد في ذلك.
وقوله: {سِمانٍ} جمع سمينة وسَمين، مثل كرام، وهو وصف ل: {بقرات}.
و{عجاف} جمع عجفاء.
والقياس في جمع عجفاء عُجف لكنه صيغ هنا بوزن فِعال لأجل المزاوجة لمقارنه وهو: {سمان}.
كما قال الشاعر:
هتّاك أخبية ولاّج أبوية

والقياس أبواب لكنه حمله على أخبية.
والعجفاء: ذات العَجَف بفتحتين وهو الهزال الشديد.
و{وسبع سنبلات} معطوف على: {سبع بقرات}.
والسنبلة تقدمت في قوله تعالى: {كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل} في سورة البقرة (261).
والملأ: أعيان الناس.
وتقدم عند قوله تعالى: {قال الملأ من قومه} في سورة الأعراف (60).
والإفتاء: الإخبار بالفتوى.
وتقدمت آنفًا عند قوله: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [سورة يوسف: 41].
وفي للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة، أي أفتوني إفتاء ملابسًا لرؤياي ملابسة البيان للمجمل.
وتقديم: {للرؤيا} على عامله وهو: {تعبرون} للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالرؤيا في التعبير.
والتعريف في: {للرؤيا} تعريف الجنس.
واللام في: {للرؤيا} لام التقوية لضعف العامل عن العمل بالتأخير عن معموله.
يقال: عَبَر الرؤيا من باب نَصر.
قال في الكشاف: وعبَرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات.
ورأيتهم ينكرون عبّرت بالتشديد والتعبير، وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب:
رأيت رؤْيَاي ثم عبّرتُها ** وكنتُ للأحلام عَبّارا

والمعنى: فسر ما تدل عليه وأوّل إشاراتها ورموزها.
وكان تعبير الرؤيا مما يشتغلون به.
وكان الكهنة منهم يعدونه من علومهم ولهم قواعد في حل رموز ما يراه النائم.
وقد وجدت في آثار القبط أوراق من البردي فيها ضوابط وقواعد لتعبير الرُّؤى، فإن استفتاء صاحبي السجن يوسف عليه السّلام في رؤييهما ينبئ بأن ذلك شائع فيهم، وسؤال المَلك أهل ملأه تعبير رؤياه ينبئ عن احتواء ذلك الملأ على من يُظنّ بهم علم تعبير الرؤيا، ولا يخلو ملأ الملك من حضور كهان من شأنهم تعبير الرؤيا.
وفي التوراة فأرسل ودعا جميع سَحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمه فلم يكن من يعبره له.
وإنما كان مما يقصد فيه إلى الكهنة لأنه من المغيبات.
وقد ورد في أخبار السيرة النبوية أن كسرى أرسل إلى سطيح الكاهن ليعبر له رؤيا أيام ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وهي معدودة من الإرهاصات النبوية.
وحصل لكسرى فزع فأوفد إليه عبد المسيح.
فالتعريف في قوله: {للرؤيا} تعريف العهد، والمعهود الرؤيا التي كان يقصها عليهم على طريقة إعادة النكرة معرفة باللام أن تكون الثانية عين الأولى.
والمعنى: إن كنتم تعبرون هذه الرؤيا.
والأضغاث: جمع ضغث بكسر الضاد المعجمة وهو: ما جمع في حُزمة واحدة من أخلاط النبات وأعواد الشجر، وإضافته إلى الأحلام على تقدير اللام، أي أضغاث للأحلام.
والأحلام: جمع حُلُم بضمتين وهو ما يراه النائم في نومه.
والتقدير: هذه الرؤيا أضغاث أحلام.
شبهت تلك الرؤيا بالأضغاث في اختلاطها وعدم تميز ما تحتويه لمّا أشكل عليهم تأويلها.
والتعريف فيه أيضًا تعريف العهد، أي ما نحن بتأويل أحلامك هذه بعالمين.
وجمعت: {أحلام} باعتبار تعدد الأشياء المرئية في ذلك الحُلم، فهي عدة رُؤَى.
والباء في: {بتأويل الأحلام} لتأكيد اتصال العامل بالمفعول، وهي من قبيل باء الإلصاق مثل باء: {وامسحوا برؤوسكم} [سورة المائدة: 6]، لأنهم نفوا التمكن من تأويل هذا الحلم.
وتقديم هذا المعمول على الوصف العامل فيه كتقديم المجرور في قوله: {إن كنتم للرؤيا تعبرون}. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ}
والأرض التي وقعتْ عليها، وجَرَتْ فوقها تلك القصة هي مصر، وسبق أن عرفنا ذلك حين قال الحق سبحانه: {وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ} [يوسف: 21].
وهكذا نعرف أن هناك ملك، وهناك عزيز.
ونحن نعلم أن حكام مصر القديمة كانوا يُسمَّوْنَ الفراعنة، وبعد أن اكتُشِفَ حجر رشيد، وتم فَكُّ ألغاز اللغة الهيروغليفية؛ عرفنا أن حكم الفراعنة قد اختفى لفترة؛ حين استعمر مصرَ ملوكُ الرُّعاة، وهم الذين يُسمَّوْنَ الهكسوس.
وكانت هذه هي الفترة التي ظهر فيها يوسف، وعمل يوسف وأخوه معهم، فلما استرجع الفراعنة حكم مصر طردوا الهكسوس، وقتلوا مَنْ كانوا يُوالونهم.
وحديث القرآن عن وجود مَلِك في مصر أثناء قصة يوسف عليه السلام هو من إعجاز التنبؤ في القرآن.
وساعة تقرأ: {وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} [يوسف: 43].
ثم يطلب تأويل رؤياه؛ فهذا يعني أنها رُؤيا منامية.
وكلمة: {سِمَانٍ} [يوسف: 43].
أي: مُمْتلئة اللحم والعافية. وكلمة: {عجاف} أي: الهزيلة؛ كما يُقال عند العامة جلدها على عظمها؛ فكيف تأكل العجاف السمان؛ مع أن العكس قد يكون مقبولًا؟
وأضاف الملك: {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ...} [يوسف: 43].
ولم يَصِف الملك أيَّ فعل يصدر عن السنابل، ثم سأل مَنْ حوله من أعيان القوم الذين يتصدرون صُدور المجالس، ويملأون العيون: {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43].
وكلمة (تعبرون) مأخوذة من عبر النهر أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ، وكأنه يطلب منهم المراد المَطْوي في الرُّؤيا.
ومن هذا المعنى أخذنا كلمة العبْرة، وهي التجربة التي نستفيد منها، ومنه أيضًا العبارَة وهو أن يكون هناك شيء مكتوم في النفس، ونُؤدِّيه، ونُظهِره بالعبارة.
ومنه العَبْرة، وهو الدَّمعْة التي تسقط من العين تعبيرًا عن مشاعر ما؛ سواء كانت مشاعر حُزْن أو فرح، والمادة كلها تدور حول تعريف مجهول بمعلوم.
وهكذا يفعل مُفسِّر الرُّؤْيا حين يَعبُر من خلال رموزها من الخيال إلى الحقيقة.
ولم يعرف الملأ الذين حول المَلِك تفسيرًا للرُّؤيا التي رآها في منامه.
ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {قالوا أَضْغَاثُ...}.
وهكذا أعلن الملأ أن رؤيا الملك ليست سوى أخلاط أحلام بلا معنى. والضِّغْث هو حِزْمة من الحشائش مختلفة الأجناس؛ فكأن رُؤْيا الملك لا تأويلَ لها عندهم؛ لأنهم ليسوا من أهل التمييز في التأويل. وهذا صِدْق من البطانة في ألاَّ يخبر أحدهم بشيء، إلا إذا كان على علم به؛ ولا يضير أحدهم أن يعلن جهله بأمر ما لا يعلمه.
والذي يعلن جهله بأمر لسائله ويكون قد علمه يجعله يسأل غيره، أما إن أجاب بجواب؛ فربما جعله يَثْبُتُ على هذا الجواب. ولذلك قال العلماء ليفسحوا مجال الصِّدْق في الفُتْيا: مَنْ قال لا أدري فقد أفتى؛ لأنه حين يقول لا أدري؛ سيضطرك إلى أن تسأل غيره. اهـ.